"انتشلني ضوء ساطع لسيارة قادمة من الاتجاه المعاكس في غمرة المساء من أفكاري. عدت بتركيزي إلى المساء الهادئ والمسافة الصغيرة التي تكشفها مصابيح السيارة أمامي. لا أذكر بما كنت أفكر حقاً، قلت لنفسي يجب أن أدير المذياع، لكي أبقى يقظةً على الطريق من رام الله إلى جنين، فبعد وقت قليل سأصبح على الطريق السريع الخارجي، ويجب أن أكون في كامل تيقظي.
مددت يدي وأدرت المفتاح، وتركت المذياع يفتش بين موجات الـ FM على موجة نقية الصوت، واستقر فيه البحث على إذاعة محلية تبث أغنية ما لأم كلثوم. هكذا تجري العادة هنا، فيروز صباحاً وأم كلثوم مساءً، هذا الطقس تتفق عليه كل الإذاعات. لا أعتقد أني من معجبي أم كلثوم المخلصين، ربما سأكون بعد عشر سنوات، أحب من أغانيها اثنتين أو ثلاثاً، سمعتها أيضاً صدفة خلال السفر، عبر الإذاعات، علاقتي بها رسمية جداً وتخضع للصدفة، ويتحكم بها مزاج من يختار الأغاني في الإذاعات، نادراً ما أذهب لها عن سبق إصرار.
خلال السفر بين المدن، لا أحب أن أشغل موسيقاي الخاصة، بل أستسلم لموجات الـ FM، وأترك الأمور تجري كما يراد لها أن تكون. والحق يقال إن صوت أم كلثوم، بما فيه من غلظة محبّبة، يضفي دفئاً، وبخاصة على الطرق بين المدن الموغلة بالوحشة. كما تعلمون، فإن الطرق بين ما تبقى من المدن الفلسطينية، مناطق (أ) الخاضعة لسيادة السلطة الفلسطينية، لا تخضع لسيادتها -أي الطرق- وتصنف مناطق (ج). فهذه المدن تشبه جزراً صغيرة متناثرة في بحر كبير، تخضع سيادته لسلطات الاحتلال الإسرائيلي. لاحظت خلال تنقلي بين المدن لما يزيد عن عشر سنوات، وكطقس أسبوعي، أن ترددات المذياع، أيضاً، كذلك. تصدح أم كلثوم مثلاً بصوت واضح ومتواصل دون انقطاع، طالما ما زلنا في حدود المدينة، ومناطق (أ)، ثم ما تلبث الموجات في التشويش في الطريق مع تداخلها مع موجات إسرائيلية عند دخولنا مناطق (ج)، يصل أحيانا إلى انقطاع البث تماماً، واحتلاله بالكامل من موجة أخرى إسرائيلية، نظرياً في وسط المسافة بين منطقتين تتبعان تصنيف (أ)، ويقل هذا التشويش تدريجياً ليعود واضحاً كما كان عندما تصل مشارف المدينة التي تقصدها، كم هي غريبة ومتنوعة أشكال الاستعمار وعنفه، والغريب أن ما يزعجني أنني لاحظت هذا الاحتلال الموجي.
أتوقف عن التفسير والتحليل والتفكير بأحرف الأبجدية الإنكليزية، وأعود بسمعي إلى المذياع، تصدح أم كلثوم: يا فؤادي لا تسل أين الهوى، فتقاطعها على حين غرة موجة أخرى يتلوك فيها مذيع إسرائيلي كلاماً عبرياً لا أفهمه، لنفترض أنا وأنتم جدلاً أن ما سمعته هو (خلوشيم دوراخام ليزيوميم) مع ضحكة صفراء للمذيع، تعود موجة أم كلثوم لتكمل، "كان صرحاً من خيال فهوى!"، يقفز الصوت المزعج ليكمل شيئاً يشبه "لوخودام ليزوميم تيربيم"... "اسقني واشرب على أطلاله"... "ديليوم بيروميم خازلام"... "واروِ عني طالما الدمع روى" فيرد: "ميروميم لوشام!!؟؟"... "كيف ذاك الحب أمسى خبراً؟"... "ديبوليم مورتيم الواخ!"... "وحديثاً من أحاديث الجوى"... فتقفز جملة "دوبامين سيريم دوكيم"... وهكذا. إني لا أستطيع أن أتخيل مدى قلة ذوق شخص يقاطع آخر بهذه الصلافة، فما بالكم عندما تجتمع معه صلافة الاستعمار؟
أضغط على الكوابح لوجود صف طويل من سيارات "الضفة" تقف على الحاجز، تتجاوز عن سيارتي سيارة ذات لوحة صفراء إسرائيلية، أرقبها بطرف عيني وهي تنسل ببطء، تتجاوز هذا الحاجز السيارة ذات اللوحة الصفراء، أراقبها عن كثب وأسأل نفسي إن كان يحدث العكس في مذياعها، وتقاطعها أم كلثوم بصروحها التي هوت، أتخيل أم كلثوم تقفز إلى داخل السيارة -حرفياً لا موجياً فقط- فابتسم قليلاً وأنا أتخيل الست محدثةً خلخلة في السيارة عند قفزها المفاجئ داخلها وفزعاً لدى السائق الإسرائيلي، تمضي السيارة مسرعةً وأنا ما زلت أتخيل أم كلثوم داخلها، سرعة السيارة أكبر من أن أخرج أم كلثوم من السيارة -بخيالي على الأقل- وتمضي السيارة خاطفةً كوكب الشرق، وتنعطف يساراً بعيداً وتختفي في الأفق، فلا أعود أرى أو حتى أسمع أم كلثوم، أفيق من خيالي وأنظر إلى صف السيارات أمامي، وأقول لنفسي، يجب علينا أن نقوي أبراجنا الإذاعية وموجاتنا على الأقل..."
رابط المقالة
No comments:
Post a Comment