"دوماً ما كانت تلفت انتباهي المباني والأبراج العالية في شارع الإرسال. وهكذا، قررت أن أتسلل للمنطقة مساءً هذا الخريف، ربما لأن المنطقة تبدو مختلفة في مثل هذا الوقت. نزلت من سيارة النقل العمومي في شارع الإرسال، مقابل مبنى "السفينة". كانت الساعة تشير إلى الثامنة وبضع دقائق. نظرت إلى السفينة مطولاً. إنها المرة الأولى التي انتبه فبها إلى أنها تدير بظهرها بعيداً عن اتجاه الشارع الرئيسي. ثم بدأت بالالتفاف تدريجياً حول السفينة التي ربما خال مالكها أنها ستنقلنا لبحر يافا، أو ستنقذنا من طوفان ما مقبل.
على الجانب الآخر، الذي كنت أراه لأول مرة، كان هنالك موقف للسيارات في فنائها الخلفي، مسيج ومغلق ببوابة معدنية تفضي إلى الشارع العام. خلال دوراني حولها، تذكرت ما لاحظه صديق لي عن المبنى، وهو أن المصمم أضاف ما يشبه أمواج البحر الحجرية بمستوى طابقه الأول، ما يضع سكان المدينة جميعاً تحت مستوى سطح البحر، أقرب إلى الغرقى. حين أنهيت دورتي حول السفينة، لم يفاجئني ما وجدته من مستأجرين في الجانب الآخر أيضاً: بضعة محال سوبرماركت، ومحال تجارية في الطابق الأرضي، تضيء واجهاتها لافتات كبيرة وملونة، انعكست ألوان إضاءتها على الشارع الممتد أمامها. كنت أحمل كاميرا كبيرة بيدي ما جعلني موضع فضول بعض المارة، وربما لأننا معتادون على أن يصورنا غير الفلسطينيين فقط. عندما اقتربت من مدخل السفينة الذي كان يتوسطها، لاحظت أمامه حارسين، مع أن المبنى يحتوي مكاتب عادية للإيجار، لا مكاتب أمنية أو حكومية. رفعت الكاميرا لأصور المدخل، فلاحظت اقتراب الحارسين من بعضهما، بجسدين متصلبين، قبل أن يبدآ بالتشاور. لم أركز كثيراً بنقاشهما، الذي بدا أنه بسبب تصويري المدخل. وكنت قد أنهيت التقاط الصور قبل أن يتخذا قرارهما.
نداء سنقرط، طرّ، عمل أدائي، ٢٠١٦
الصورة © بلدية رام الله
أكملت مسيري في المنطقة التي لم ألحظ كثيراً من المارة فيها. كان المكان هادئاً نوعاً ما. الحضور الرئيسي كان للمباني وللافتاتها وإضاءتها الساطعة، وبضع سيارات تمر بين الحين والآخر. بعد اجتيازي المفترق المؤدي إلى المركز التجاري "بلازا"، قررت أن أسلك طريقاً فرعياً باتجاه الغرب. وحال سلوكي إياه، أخذ أحد الأبراج المضيئة الجديدة بالظهور. في ذلك الطريق الفرعي صادفت دكاناً جديداً ساطع الإضاءة أيضاً، يضيء الشارع بنور أقوى من أعمدة الإنارة الموجودة للغرض ذاته. كان الشارع ضيقاً نوعاً ما، لذلك فإن نور الدكان، وصل المقعد العام على الطرف المقابل وأناره. أمامي في الشارع كانت تسير عائلة يبدو على ملامحها بساطة الحال. ثم طلب الصغير من الأب الذي كان يمشي مستعجلاً أن يربط له حذائه. عندها افترش الأب وصغيره قطعة مظلمة من الرصيف، دون أن يفكرا البتة بالجلوس على ذلك المقعد. أنهى الأب ربط حذاء ابنه على عجلة، ثم تابعا مسيرهما ليلحقا ببقية أفراد العائلة. اقتربت أنا أكثر من البرج الذي بزغ سابقاً. كانت الإنارة المثبتة على واجهته الخارجية قوية الإشعاع. رغبت في أن التقط بضع صور. رفعت الكاميرا، فخالني أنني سمعت أحدهم يصرخ بـ"ممنوع". أنزلت الكاميرا، عاودت النظر حولي. لم أجد أحداً، كان البرج خالياً تماماً، والشارع أيضاً. لمَ الخوف؟ نظرت إلى طرف البرج، الذي حاذاه ممر جانبي كبير يقود إلى الأسفل، باتجاه مصف للسيارات تحت المبنى على ما يبدو.
كان الجو قد أصبح أكثر برداً، والظلام أشد حلكة، فقررت أن أواصل المشي. حين وصلت الشارع الرئيسي مرةً أخرى، شعرت ببعض الارتياح. من جديد اللافتات المضيئة نفسها، ولم أمر سوى بشخص واحد كان يمشي. الآن إلى يساري ظهرت منطقة كبيرة مسيجة بلوحات إعلانات، تحمل رسومات معمارية لأبراج قيد الإنشاء، لا تختلف كثيراً عن سابقتها، لا ببرودة مظهرها، ولا بحجمها وارتفاعها المهول، ولا بقسوة ألوانها وملمسها، ولا بإضاءتها الساطعة أيضاً. شيءٌ ما بمظهر هذه الأبراج قادر على طردك من محيطها. نظرت شرقاً إلى ما خلف هذه الإعلانات، حيث ظهر بعيداً مبنىً كبير، منار بأضواء عرضية، بيضاء ساطعة، تلتف حول انحناءات جدرانه بدقة مريبة. عاودت النظر إلى الأمام جنوباً، وأكملت مشيي محاولةً أن أجد طريقاً لسلوكه نحو منطقة ذلك المبنى دون أن أضطر للعودة إلى الطريق الفرعي الذي كنت قد خرجت منه للتو. وصلت مبنى جديداً قيد الإنشاء على طرف الشارع، تابعاً لسلطة النقد أو شيء من هذا القبيل. لحظت طريقاً ترابياً واسعاً يصعد باتجاه المبنى الذي وددت بلوغه. كان الليل قد أصبح حالكاً تماماً، والأصوات باتت خافتة جداً. تملكني بعض الخوف ثانية في الطريق الخالي. ومع اقترابي من المبنى، هالني ما رأيت من مساحات كبيرة وشوارع عريضة مبلطة، محيطة بالمباني في تلك الرقعة. كانت الساحة والطرق المؤدية باتجاهها واسعة جداً، على أطرافها ثلاثة مبان؛ اثنان كنت قد رأيتهما بوضوح من الشارع، إضافة إلى برج مختلف قليلاً، ينتصب وحيداً على الطرف الآخر للساحة. لم يكن هناك أي أحد في المنطقة كلها. تعثرت فجأة خلال مسيري على طرف الطريق في الظلام الدامس. فتوقفت لأتأمل أحد الأبراج، الذي كان على بعد اثني عشر متراً مني تقريباً. نظرت إلى طوابقه ذات الزجاج الأسود القاتم. لم أستطع رؤية ما بداخلها. كانت الطوابق إما مظلمة تماماً وإما إضاءتها خافتة، كما كانت الإضاءة الخارجية المضافة حول المبنى ساطعة لدرجة منعتني من تمييز ما يحدث داخل المبنى. كنت أظن طوال الوقت أن أحداً ما يقف في الداخل يراقبني، أيضاً، بينما أنا أرقب البرج. ولم أشعر ولو للحظة أنه مسموح لي التواجد هنا، أو إن هذا المكان عام. واصلت الوقوف بالظلمة الحالكة، لكن فكرة أن أحداً ما في الداخل يراقبني أفزعتني قليلاً وجعلتني أكمل المسير في أنحاء هذا المحفل المعماري المرعب. قبل ذلك، درت وأخذت بضع صور على عجلة، على مرأى من الحارسين الواقفين أمام المدخل، ثم سارعت بالابتعاد عنهما، باتجاه البرج الثالث الأبعد، وهو البرج الذي بدا لي مختلفاً قليلاً. لم يتم تثبيت أي إنارات خارجية عليه، وبعض طوابقه كانت لا تزال مضاءةً.
بغتةً، خرج موظف مهرولاً لباحة السيارات وغادرها داخل سيارته بسرعة. من يعمل حتى هذا الوقت المتأخر؟ كنت أظن أن نظام العمل من الثامنة حتى الخامسة همَّاً بالنسبة لهؤلاء الموظفين، وها أنا أجد من يعمل بعد الثامنة. مشيت بشكل ملاصق للبرج، حتى أصبح الطريق منحدراً. في آخر المنحدر هنالك بوابة واسعة جداً، ربما تتسع لعبور شاحنة. كان سقف الممر خلفها مضاء بصفوف رتيبة من الأضواء الفلورسنتية البيضاء الساطعة، التي أصدرت أزيزاً مسموعاً جداً يكسر هدوء الظلمة. ثم تملكني فضول شديد راح يدفعني إلى فكرة سلوك الممر هذا الذي يؤدي في العادة إلى موقف السيارات تحت المباني. دون التفكير أكثر، غافلت الحارس ودخلت. كلما تابعت المشي داخل الممر الواسع، ازداد المكان برودةً ورعباً. أزيز إضاءة الفلوريسنت وصوت محركات خفيفة ربما هي محركات أجهزة التدفئة أو التكييف، كانا الصوتين الوحيدين المسموعين هنا بالأسفل. ثم بدأت أسمع نبضات قلبي أيضاً. مشيت أكثر، حتى وصلت منحدراً يستخدم لنزول السيارات للطوابق السفلى، وعلى مقربة منه، لمحت درجاً مظلماً ضيقاً. قررت أن أصعد الدرج. بدت فكرة أن أرى العالم من أعلى البرج مثيرة في هذا الوقت من الليل..."
رابط المقالة:
https://www.ibraaz.org/publications/149#_=_