Saturday, March 23, 2019

ترجمات لجون بيرجر

 (1)
الباندانا

صباحًا،
مطويّة بأزهارها البرّيّة
مغسولة ومكويّة
آخذة حيّزًا ضئيلًا في الدرج

تهزّها لتفتح
وتعقدها حول رأسها.
ومساءً تخلعها
وتدعها تسقط -
وهي ما يزال معقودًة - إلى الأرض

على وشاحٍ قطنيّ
بين الزهور المنقوشة
يومُ عملٍ
كتبَ حلمه


(2)
المسافة

لقد ملأتِ "التيرموس" بالقهوة
ووضّبتِ آثار أقدامنا حتّى
تخوض سيرًا في أفكاك
الثلج الأبديّ المضلّل

معًا كنجّارين مع مطارقهم
علّمنا المسافةَ
كيف تبني سقفًا
من الأشجار
الّتي ركضنا بينها

في الصمت خلفنا
لم نعد نسمع سؤال المنزل
الصيفيّ البعيد:
وغدًا أين
يجدر بنا الذهاب؟

وقت الغسق تخاف الكلاب الموثقة
أن تكون الغابة بلا نهاية
وكلّ ليلة في الثلج
نهدّئ روعهم
بضحكنا المفاجئ


(3)
حلم
في حفرة في الأرض
دفنتُ كلّ لكناتِ
لسان أمّي

هناك يرقدن
كإبر صنوبرٍ
كدّستها النملات

يومًا ما، بكاءٌ مفاجئٌ
لتائهٍ آخر
سيجعلهنّ يشتعلن

ومن ثمّ، دافئًا ومرتاحًا
سيسمع طوال الليل
الحقيقة بنغمة تهويدة



ثلاثة نصوص


رابط على فسحة الثقافية

(1)



طيف

يا ليت وجودي
خفيفٌ
كخفّة انعكاس صورتي
على مرآة
ليتني صورة نفسي ولست نفسي
أو صورتي الّتي
تطفو بين وجه الماء والأثير
ليتني طيفي الخارج من الباب
أو ما يعلق منّي على وسادة
أو ما تبقّى منّي في كفٍّ أخرى
بعد مصافحة.
ليتني الملوحة على أدَمتي
أو بقيّة صوتي
آخر محادثةٍ هاتفيّة
ليتني
أخـ.. ت.. في




(2)


أيّها البعيد

هناك دائرة كبيرة جدًّا
رُسمت على الرمال
أقف أنا هنا، على الدائرة
وتقف أنت مقابلي.
ندور وندور
نزحف على مدارنا هذا
نهرول أحيانًا
لكنّنا في الحالتين
نسير بنفس السرعة
لذا لن نلتقي أبدًا
لكنّنا في نفس المدار
ونرى بعضنا دومًا في المدى
على أمل أن نلتقي



(3)


ذكرى هاربة

أودّ لو أبني علّيّةً صغيرة
أضع فيها ذكرياتٍ
لم أعد أذكرها
ذكرياتٍ لم تعد موجودةً في الدماغ
تلك الّتي امّحت منه طوعًا
أملأ العلّيّة بمشاهدَ يوميّةٍ عاديّةٍ لم تختزن
وأعطّرها بروائح ذَوَت
وأسمع فيها تسجيلات،
لأصواتٍ لم تترك أيّ إحساس
يحثّ عصب السمع
ليأخذها للذاكرة بغبطة.
وسأحضر علبًا مليئةً بسكاكرَ، لها
طعم الأشياء المنسيّة.
تنتقي ذاكرتي محتوياتها
كخمسينيٍّ ينتقي حبّات فاكهة.
فإلى أين تذهب حبّات الخوخ المكدومة؟
والذكريات المكدومة؟
إلى أقبية:
يسقط فيها كلّ ما سقط سهوًا.
لذا، سأبني علّيّةً صغيرة
أضع فيها ذكريات




Thursday, August 30, 2018

وشريط حذائي
!سوطٌ
لا يفتأ يحثني
!لأمشي

Monday, August 13, 2018

من مقالة بعنوان "ألوان ونقوش "غزل العروق" في «المتحف الفلسطيني»"



للحزن لون واحد








الزمان: السابع عشر من فبراير عام 1901، المكان: باريس، فرنسا، يقوم كارلوس كاساغيماس، الشاعر الشاب وطالب الفنون باخراج مسدس من جيبه، يطلق النار على نفسه منتحراً. الزمان 1901، يدخل بابلو بيكاسو، صديق كاساغيماس في فترة من الاكتئاب الحاد، حزناً على كاساغيماس، تستمر هذه الفترة الاكتئابية إلى عام 1904، ويسميها مؤرخو الفن بالفترة الزرقاء. خلال فترة اكتئاب بيكاسو، لم يستخدم سوى اللون الأزرق بدرجات متعددة، رسم بها لوحات تصور الفقراء، البغايا، الموت، والانكسار. بعد مرور 4 سنوات، يبدأ بيكاسو باستخدام الوردي والبرتقالي، إيذاناً بخروجه من الفترة الاكتئابية، إلى فترة أكثر سلاماً وراحة. 






بابلو بيكاسو: امرأة في حزن، 1902، زيت على قماش. امرأة تجلس عارية، 1905، زيت على قماش 











الزمان: في فترة ما في الأربعينيات، المكان: بئر السبع، فلسطين. يتوفى زوج امرأة ما، ربما قتله استعمار ما، وربما قتله الحر، وربما قتل لثأر، وربما موته طبيعي جداً، كالموت الذي يحدث في كل مكان. يقتل الحزن هذه الأرملة، فتفرغ مكنونات قلبها بالغرز، فتحيك ثوباً نصفه السفلي يملؤه اللون الأزرق بدرجاته، يبوح اللون بسرها وينشر حزنها على القماش، كما ينتشر الحبر الأزرق في الماء، تضيف تمائم وحجائب أعلاها، متضرعةً لها لتنتشلها من كربها. الحزن يشدها للأسفل ويثقلها، يتمركز اللون الأزرق أسفل ثوبها، بينما، الدرجات المعتادة، الأكثر زهواً كالوردي والأحمر، في أعلاه. ربما قد حاكته امرأة تشبه امرأة بيكاسو. 






مقاطع مقرّبة لثوب الأرامل من بئر السبع، الأربعينيات، مجموعة متحف جامعة بيرزيت. © المتحف الفلسطيني
 











الزمان:1930  المكان: الميسيسيبي، الولايات المتحدة. الشمس حارقة، والتعب يخرّ بعظام المزارعين السود، اللذين تم استعبادهم واستقدامهم من إفريقيا. في خضم هذا التعب، يبدأ المزارعون العبيد بالغناء الجماعي، فهم لا يملكون سوى حناجرهم ليصدحوا بها تحت الشمس الحارقة وسوط السيد، فكلاهما لا يرحم. يرددون معاً قصائد وأغان شجية، يذوب لها القلب، ملحنة بصوت ضربة الفأس والمعول، تسمى هذه الأغاني ”البلوز". أخذت اسمها، من اللون الأزرق، الذي يعبر عن التعاسة، الكابة، والحزن الشديد خاصةً في الثقافة الغربية. يصيحون مع معاولهم "سأكون شاكراً، عندما تغرب الشمس، سأكون شاكراً، عندما تغرب الشمس، لست نعساً، لكني أريد الاستلقاء، لست نعساً، لكنني أريد الاستلقاء." 











رابط المقالة


من مقالة بعنوان "عودة ليلية يقودها الحمام"







"دوماً ما كانت تلفت انتباهي المباني والأبراج العالية في شارع الإرسال. وهكذا، قررت أن أتسلل للمنطقة مساءً هذا الخريف، ربما لأن المنطقة تبدو مختلفة في مثل هذا الوقت. نزلت من سيارة النقل العمومي في شارع الإرسال، مقابل مبنى "السفينة". كانت الساعة تشير إلى الثامنة وبضع دقائق. نظرت إلى السفينة مطولاً. إنها المرة الأولى التي انتبه فبها إلى أنها تدير بظهرها بعيداً عن اتجاه الشارع الرئيسي. ثم بدأت بالالتفاف تدريجياً حول السفينة التي ربما خال مالكها أنها ستنقلنا لبحر يافا، أو ستنقذنا من طوفان ما مقبل.






على الجانب الآخر، الذي كنت أراه لأول مرة، كان هنالك موقف للسيارات في فنائها الخلفي، مسيج ومغلق ببوابة معدنية تفضي إلى الشارع العام. خلال دوراني حولها، تذكرت ما لاحظه صديق لي عن المبنى، وهو أن المصمم أضاف ما يشبه أمواج البحر الحجرية بمستوى طابقه الأول، ما يضع سكان المدينة جميعاً تحت مستوى سطح البحر، أقرب إلى الغرقى. حين أنهيت دورتي حول السفينة، لم يفاجئني ما وجدته من مستأجرين في الجانب الآخر أيضاً: بضعة محال سوبرماركت، ومحال تجارية في الطابق الأرضي، تضيء واجهاتها لافتات كبيرة وملونة، انعكست ألوان إضاءتها على الشارع الممتد أمامها. كنت أحمل كاميرا كبيرة بيدي ما جعلني موضع فضول بعض المارة، وربما لأننا معتادون على أن يصورنا غير الفلسطينيين فقط. عندما اقتربت من مدخل السفينة الذي كان يتوسطها، لاحظت أمامه حارسين، مع أن المبنى يحتوي مكاتب عادية للإيجار، لا مكاتب أمنية أو حكومية. رفعت الكاميرا لأصور المدخل، فلاحظت اقتراب الحارسين من بعضهما، بجسدين متصلبين، قبل أن يبدآ بالتشاور. لم أركز كثيراً بنقاشهما، الذي بدا أنه بسبب تصويري المدخل. وكنت قد أنهيت التقاط الصور قبل أن يتخذا قرارهما.








نداء سنقرط، طرّ، عمل أدائي، ٢٠١٦


الصورة © بلدية رام الله






أكملت مسيري في المنطقة التي لم ألحظ كثيراً من المارة فيها. كان المكان هادئاً نوعاً ما. الحضور الرئيسي كان للمباني وللافتاتها وإضاءتها الساطعة، وبضع سيارات تمر بين الحين والآخر. بعد اجتيازي المفترق المؤدي إلى المركز التجاري "بلازا"، قررت أن أسلك طريقاً فرعياً باتجاه الغرب. وحال سلوكي إياه، أخذ أحد الأبراج المضيئة الجديدة بالظهور. في ذلك الطريق الفرعي صادفت دكاناً جديداً ساطع الإضاءة أيضاً، يضيء الشارع بنور أقوى من أعمدة الإنارة الموجودة للغرض ذاته. كان الشارع ضيقاً نوعاً ما، لذلك فإن نور الدكان، وصل المقعد العام على الطرف المقابل وأناره. أمامي في الشارع كانت تسير عائلة يبدو على ملامحها بساطة الحال. ثم طلب الصغير من الأب الذي كان يمشي مستعجلاً أن يربط له حذائه. عندها افترش الأب وصغيره قطعة مظلمة من الرصيف، دون أن يفكرا البتة بالجلوس على ذلك المقعد. أنهى الأب ربط حذاء ابنه على عجلة، ثم تابعا مسيرهما ليلحقا ببقية أفراد العائلة. اقتربت أنا أكثر من البرج الذي بزغ سابقاً. كانت الإنارة المثبتة على واجهته الخارجية قوية الإشعاع. رغبت في أن التقط بضع صور. رفعت الكاميرا، فخالني أنني سمعت أحدهم يصرخ بـ"ممنوع". أنزلت الكاميرا، عاودت النظر حولي. لم أجد أحداً، كان البرج خالياً تماماً، والشارع أيضاً. لمَ الخوف؟ نظرت إلى طرف البرج، الذي حاذاه ممر جانبي كبير يقود إلى الأسفل، باتجاه مصف للسيارات تحت المبنى على ما يبدو.






كان الجو قد أصبح أكثر برداً، والظلام أشد حلكة، فقررت أن أواصل المشي. حين وصلت الشارع الرئيسي مرةً أخرى، شعرت ببعض الارتياح. من جديد اللافتات المضيئة نفسها، ولم أمر سوى بشخص واحد كان يمشي. الآن إلى يساري ظهرت منطقة كبيرة مسيجة بلوحات إعلانات، تحمل رسومات معمارية لأبراج قيد الإنشاء، لا تختلف كثيراً عن سابقتها، لا ببرودة مظهرها، ولا بحجمها وارتفاعها المهول، ولا بقسوة ألوانها وملمسها، ولا بإضاءتها الساطعة أيضاً. شيءٌ ما بمظهر هذه الأبراج قادر على طردك من محيطها. نظرت شرقاً إلى ما خلف هذه الإعلانات، حيث ظهر بعيداً مبنىً كبير، منار بأضواء عرضية، بيضاء ساطعة، تلتف حول انحناءات جدرانه بدقة مريبة. عاودت النظر إلى الأمام جنوباً، وأكملت مشيي محاولةً أن أجد طريقاً لسلوكه نحو منطقة ذلك المبنى دون أن أضطر للعودة إلى الطريق الفرعي الذي كنت قد خرجت منه للتو. وصلت مبنى جديداً قيد الإنشاء على طرف الشارع، تابعاً لسلطة النقد أو شيء من هذا القبيل. لحظت طريقاً ترابياً واسعاً يصعد باتجاه المبنى الذي وددت بلوغه. كان الليل قد أصبح حالكاً تماماً، والأصوات باتت خافتة جداً. تملكني بعض الخوف ثانية في الطريق الخالي. ومع اقترابي من المبنى، هالني ما رأيت من مساحات كبيرة وشوارع عريضة مبلطة، محيطة بالمباني في تلك الرقعة. كانت الساحة والطرق المؤدية باتجاهها واسعة جداً، على أطرافها ثلاثة مبان؛ اثنان كنت قد رأيتهما بوضوح من الشارع، إضافة إلى برج مختلف قليلاً، ينتصب وحيداً على الطرف الآخر للساحة. لم يكن هناك أي أحد في المنطقة كلها. تعثرت فجأة خلال مسيري على طرف الطريق في الظلام الدامس. فتوقفت لأتأمل أحد الأبراج، الذي كان على بعد اثني عشر متراً مني تقريباً. نظرت إلى طوابقه ذات الزجاج الأسود القاتم. لم أستطع رؤية ما بداخلها. كانت الطوابق إما مظلمة تماماً وإما إضاءتها خافتة، كما كانت الإضاءة الخارجية المضافة حول المبنى ساطعة لدرجة منعتني من تمييز ما يحدث داخل المبنى. كنت أظن طوال الوقت أن أحداً ما يقف في الداخل يراقبني، أيضاً، بينما أنا أرقب البرج. ولم أشعر ولو للحظة أنه مسموح لي التواجد هنا، أو إن هذا المكان عام. واصلت الوقوف بالظلمة الحالكة، لكن فكرة أن أحداً ما في الداخل يراقبني أفزعتني قليلاً وجعلتني أكمل المسير في أنحاء هذا المحفل المعماري المرعب. قبل ذلك، درت وأخذت بضع صور على عجلة، على مرأى من الحارسين الواقفين أمام المدخل، ثم سارعت بالابتعاد عنهما، باتجاه البرج الثالث الأبعد، وهو البرج الذي بدا لي مختلفاً قليلاً. لم يتم تثبيت أي إنارات خارجية عليه، وبعض طوابقه كانت لا تزال مضاءةً.






بغتةً، خرج موظف مهرولاً لباحة السيارات وغادرها داخل سيارته بسرعة. من يعمل حتى هذا الوقت المتأخر؟ كنت أظن أن نظام العمل من الثامنة حتى الخامسة همَّاً بالنسبة لهؤلاء الموظفين، وها أنا أجد من يعمل بعد الثامنة. مشيت بشكل ملاصق للبرج، حتى أصبح الطريق منحدراً. في آخر المنحدر هنالك بوابة واسعة جداً، ربما تتسع لعبور شاحنة. كان سقف الممر خلفها مضاء بصفوف رتيبة من الأضواء الفلورسنتية البيضاء الساطعة، التي أصدرت أزيزاً مسموعاً جداً يكسر هدوء الظلمة. ثم تملكني فضول شديد راح يدفعني إلى فكرة سلوك الممر هذا الذي يؤدي في العادة إلى موقف السيارات تحت المباني. دون التفكير أكثر، غافلت الحارس ودخلت. كلما تابعت المشي داخل الممر الواسع، ازداد المكان برودةً ورعباً. أزيز إضاءة الفلوريسنت وصوت محركات خفيفة ربما هي محركات أجهزة التدفئة أو التكييف، كانا الصوتين الوحيدين المسموعين هنا بالأسفل. ثم بدأت أسمع نبضات قلبي أيضاً. مشيت أكثر، حتى وصلت منحدراً يستخدم لنزول السيارات للطوابق السفلى، وعلى مقربة منه، لمحت درجاً مظلماً ضيقاً. قررت أن أصعد الدرج. بدت فكرة أن أرى العالم من أعلى البرج مثيرة في هذا الوقت من الليل..."

رابط المقالة:
https://www.ibraaz.org/publications/149#_=_

من مقالة بعنوان ""ذاكرة الأرض"، اللغة، والإفلات من أدوات السادة جميعاً... عمل فني لسميرة بدران"






"انتشلني ضوء ساطع لسيارة قادمة من الاتجاه المعاكس في غمرة المساء من أفكاري. عدت بتركيزي إلى المساء الهادئ والمسافة الصغيرة التي تكشفها مصابيح السيارة أمامي. لا أذكر بما كنت أفكر حقاً، قلت لنفسي يجب أن أدير المذياع، لكي أبقى يقظةً على الطريق من رام الله إلى جنين، فبعد وقت قليل سأصبح على الطريق السريع الخارجي، ويجب أن أكون في كامل تيقظي.


مددت يدي وأدرت المفتاح، وتركت المذياع يفتش بين موجات الـ FM على موجة نقية الصوت، واستقر فيه البحث على إذاعة محلية تبث أغنية ما لأم كلثوم. هكذا تجري العادة هنا، فيروز صباحاً وأم كلثوم مساءً، هذا الطقس تتفق عليه كل الإذاعات. لا أعتقد أني من معجبي أم كلثوم المخلصين، ربما سأكون بعد عشر سنوات، أحب من أغانيها اثنتين أو ثلاثاً، سمعتها أيضاً صدفة خلال السفر، عبر الإذاعات، علاقتي بها رسمية جداً وتخضع للصدفة، ويتحكم بها مزاج من يختار الأغاني في الإذاعات، نادراً ما أذهب لها عن سبق إصرار.


خلال السفر بين المدن، لا أحب أن أشغل موسيقاي الخاصة، بل أستسلم لموجات الـ FM، وأترك الأمور تجري كما يراد لها أن تكون. والحق يقال إن صوت أم كلثوم، بما فيه من غلظة محبّبة، يضفي دفئاً، وبخاصة على الطرق بين المدن الموغلة بالوحشة. كما تعلمون، فإن الطرق بين ما تبقى من المدن الفلسطينية، مناطق (أ) الخاضعة لسيادة السلطة الفلسطينية، لا تخضع لسيادتها -أي الطرق- وتصنف مناطق (ج). فهذه المدن تشبه جزراً صغيرة متناثرة في بحر كبير، تخضع سيادته لسلطات الاحتلال الإسرائيلي. لاحظت خلال تنقلي بين المدن لما يزيد عن عشر سنوات، وكطقس أسبوعي، أن ترددات المذياع، أيضاً، كذلك. تصدح أم كلثوم مثلاً بصوت واضح ومتواصل دون انقطاع، طالما ما زلنا في حدود المدينة، ومناطق (أ)، ثم ما تلبث الموجات في التشويش في الطريق مع تداخلها مع موجات إسرائيلية عند دخولنا مناطق (ج)، يصل أحيانا إلى انقطاع البث تماماً، واحتلاله بالكامل من موجة أخرى إسرائيلية، نظرياً في وسط المسافة بين منطقتين تتبعان تصنيف (أ)، ويقل هذا التشويش تدريجياً ليعود واضحاً كما كان عندما تصل مشارف المدينة التي تقصدها، كم هي غريبة ومتنوعة أشكال الاستعمار وعنفه، والغريب أن ما يزعجني أنني لاحظت هذا الاحتلال الموجي.


أتوقف عن التفسير والتحليل والتفكير بأحرف الأبجدية الإنكليزية، وأعود بسمعي إلى المذياع، تصدح أم كلثوم: يا فؤادي لا تسل أين الهوى، فتقاطعها على حين غرة موجة أخرى يتلوك فيها مذيع إسرائيلي كلاماً عبرياً لا أفهمه، لنفترض أنا وأنتم جدلاً أن ما سمعته هو (خلوشيم دوراخام ليزيوميم) مع ضحكة صفراء للمذيع، تعود موجة أم كلثوم لتكمل، "كان صرحاً من خيال فهوى!"، يقفز الصوت المزعج ليكمل شيئاً يشبه "لوخودام ليزوميم تيربيم"... "اسقني واشرب على أطلاله"... "ديليوم بيروميم خازلام"... "واروِ عني طالما الدمع روى" فيرد: "ميروميم لوشام!!؟؟"... "كيف ذاك الحب أمسى خبراً؟"... "ديبوليم مورتيم الواخ!"... "وحديثاً من أحاديث الجوى"... فتقفز جملة "دوبامين سيريم دوكيم"... وهكذا. إني لا أستطيع أن أتخيل مدى قلة ذوق شخص يقاطع آخر بهذه الصلافة، فما بالكم عندما تجتمع معه صلافة الاستعمار؟


أضغط على الكوابح لوجود صف طويل من سيارات "الضفة" تقف على الحاجز، تتجاوز عن سيارتي سيارة ذات لوحة صفراء إسرائيلية، أرقبها بطرف عيني وهي تنسل ببطء، تتجاوز هذا الحاجز السيارة ذات اللوحة الصفراء، أراقبها عن كثب وأسأل نفسي إن كان يحدث العكس في مذياعها، وتقاطعها أم كلثوم بصروحها التي هوت، أتخيل أم كلثوم تقفز إلى داخل السيارة -حرفياً لا موجياً فقط- فابتسم قليلاً وأنا أتخيل الست محدثةً خلخلة في السيارة عند قفزها المفاجئ داخلها وفزعاً لدى السائق الإسرائيلي، تمضي السيارة مسرعةً وأنا ما زلت أتخيل أم كلثوم داخلها، سرعة السيارة أكبر من أن أخرج أم كلثوم من السيارة -بخيالي على الأقل- وتمضي السيارة خاطفةً كوكب الشرق، وتنعطف يساراً بعيداً وتختفي في الأفق، فلا أعود أرى أو حتى أسمع أم كلثوم، أفيق من خيالي وأنظر إلى صف السيارات أمامي، وأقول لنفسي، يجب علينا أن نقوي أبراجنا الإذاعية وموجاتنا على الأقل..."




رابط المقالة

ترجمات لجون بيرجر

 (1) الباندانا صباحًا، مطويّة بأزهارها البرّيّة مغسولة ومكويّة آخذة حيّزًا ضئيلًا في الدرج تهزّها لتفتح وتعقدها حول رأس...